زكريا القزويني

528

آثار البلاد واخبار العباد

فقالوا له : ههنا فقيه عجميّ جمع بينهما وتفرّج عليهما . فلمّا حضر ابن الجوزي طلبوا شمس الدين ، فأراد تمشية مقدمة معه فما قدر ، ثمّ ان شمس الدين أخذ مقدماته وقلبها عليه ثمّ عارضه في المقدمات وفي الحكم حتى جعله مبهوتا . فقال ابن الجوزي : هذا الفقيه في أيّ شيء شغل ؟ قالوا : ما هو في شيء من الأشغال . فقال : مثل هذا يترك عاطلا ؟ فولّاه قضاء دمشق وتدريس العادلية . توفي قريبا من أربعين وستمائة شابّا ، رحمة اللّه عليه . خيوق قرية من قرى خوارزم . ينسب إليها الشيخ الإمام قدوة المشايخ أبو الجناب ، أحمد بن عمر بن محمّد الخيوقيّ المعروف بكبرى . كان أستاذ الوقت وشيخ الطائفة وفريد العصر . له رسالة الهائم الخائف من لومة اللائم ، من حقّها أن تكتب بالذهب ، ما صنّف مثلها في الطريقة . ومن عجائبها ما ذكر أن للشيطان لطائف عجيبة في اضلال الناس ، فيضلّ كلّ واحد حسبما يليق بحاله : أمّا الجهال فيضلّهم بجهلهم ، وأمّا العلماء فيقول اشتغل بتحصيل العلوم ، أما عرفت قول النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلّم : لفقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد ؟ فاصرف عمرك في تحصيل العلوم ، فإذا كان آخر عمرك اشتغل بالعمل ؛ فيأتيه الموت يعبه فجأة ، فيكون له علم بلا عمل . وحكى ، رحمه اللّه ، أنّه كان يجاهد نفسه ، فجاء الشيطان ليوسوس عليه الحال فقال : إنّك رجل عالم تتبع آثار النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاشتغل بسمع أحاديث النبيّ وآثار المشايخ الكبار الحفّاظ ، فإنّك إن اشتغلت بمجاهدة النفس فإن عليك إدراك المشايخ الكبار والأستاذ العالي ، وأمّا المجاهدة فلا تفوتك فيما بعد ! فكدت أعمل بوسوسته فهتف بي هاتف : ومن يسمع الأخبار من غير واسط * حرام عليه سمعها بوسائط !